حبيب الله الهاشمي الخوئي

26

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لو ترى المنبر الذي كنت تعلوه علاه الظلام بعد الضّياء يا إلهي عجّل وفاتي سريعا قد نغصت الحياة يا مولائي قالت : ثمّ رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها وهي لا ترقى دمعتها ، ولا تهدى زفرتها . واجتمع شيوخ أهل المدينة واقبلوا إلى أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام فقالوا له يا أبا الحسن إنّ فاطمة تبكى اللَّيل والنّهار فلا أحد منّا يتهنأ بالنّوم في اللَّيل على فراشنا ولا بالنّهار قرار على أشغالنا وطلب معايشنا ، وإنّا نخيّرك أن تسألها إمّا أن تبكى ليلا أو نهارا ، فقال حبّا وكرامة . فأقبل أمير المؤمنين حتّى دخل على فاطمة عليها السّلام وهي لا تفيق من البكاء ، ولا ينفع فيها العزاء ، فلمّا رأته سكتت هيمنة له فقال لها : يا بنت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إنّ شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إمّا أن تبكين أباك ليلا وإمّا نهارا فقالت يا أبا الحسن ما أقلّ مكثي بينهم وما أقرب مغيبتي من بين أظهرهم ، فو اللَّه لا أسكت ليلا ولا نهارا أو ألحق بأبي رسول اللَّه ، فقال لها عليّ : افعلي يا بنت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ما بدا لك ثمّ إنّه عليه السّلام بنى لها بيتا في البقيع نازحا من المدينة يسمّى بيت الأحزان وكانت إذا أصبحت قدّمت الحسن والحسين أمامها وخرجت إلى البقيع باكية فلا تزال بين القبور باكية ، فإذا جاء اللَّيل أقبل أمير المؤمنين إليها وساقها بين يديه إلى منزلها . ولم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد أبيها سبعة وعشرون يوما واعتلَّت العلَّة الَّتي توفّيت فيها فبقيت إلى يوم الأربعين وقد صلَّى أمير المؤمنين صلاة الظهر وأقبل يريد المنزل إذ استقبلته الجواري باكيات حزينات فقال لهنّ : ما الخبر وما لي أراكنّ متغيّرات الوجوه والصّور ، فقلن : يا أمير المؤمنين أدرك ابنة عمك الزّهراء وما نظنّك تدركها . فأقبل أمير المؤمنين مسرعا حتّى دخل عليها وإذا بها ملقاة على فراشها وهو